المرأة في صفحات الرأي العربية: ما تكشفه العناوين

أي حديث عن النساء هو في حقيقته حديث عن المجتمع كله: من يملك فرصة التعلم والعمل؟ ومن يشارك في صنع القرار؟ ومن تسمع أفكاره؟ ومن تعترف بإنجازاته؟ فالنساء لسن فئة واحدة متشابهة يمكن اختصارها في قضية واحدة؛ تختلف حياتهن وطموحاتهن والقيود التي يواجهنها باختلاف البلدان والطبقات والأجيال.

لكن فهم هذه المكانة لا يقتصر على القوانين والتشريعات ومؤشرات المشاركة. فهناك أيضا أسئلة كثيرة تتخطى ذلك، منها مثلا: كيف يرى المجتمع النساء، وكيف يتحدث عنهن؟ هل يحضرن بأسمائهن وأفكارهن وأفعالهن، أم بوصفهن أمهات وزوجات وبنات، أو تحت عنوان عام هو «المرأة»؟ من هذا السؤال ننطلق إلى صفحات الرأي العربية؛ لا لنقيس واقع النساء كله بالعناوين، بل لنقرأ جانبا من الصورة التي تُرسم لهن في النقاش العام.

ومن هنا، رحنا نبحث عن المرأة فى أكثر من ربع مليون عنوان من صفحات الرأى العربية، في واحد وعشرين عاما، في الفترة بين عامى ٢٠٠٤ و٢٠٢٥: مَن منهن تذكر باسمها، ومَن يستبدل اسمها بصفتها؟ وكانت المفارقة أن «المرأة» نفسها، لا أم كلثوم ولا فيروز، هى الأكثر حضورا بين النساء فى هذه العناوين؛ كلمة تشير إلى فئة، لا إلى إنسانة بعينها.

عنوان فيه امرأةعنوان فيه رجلعناوين أخرى
ابدأ القراءة ↓

بدأنا بسؤال: "كم امرأة كتب عنها أصحاب صفحات الرأى؟" ثم أخذتنا المقالات إلى أسئلة أخرى: كيف تتكلم هذه المقالات عن المرأة: باسمها أم بصفتها؟ فاعلة فى صياغة الجملة أم واقعا عليها الفعل؟ مستقلة فى التعريف، أم أنها ترتبط باسم رجل؟

ولكي نبحث عن إجابات، حللنا كل عنوان من عناوين هذه المقالات حتى نتعرف على الأشخاص المذكورين فيه، ونوع كل منهم (رجل أم إمرأة)، وطريقة تسميته، والدور الذى أُسند إليه فى الجملة، والنبرة التى يجرى بها الحديث عنه (عاطفية أم موضوعية، وسلبية أم إيجابية). وهنا يجب الإشارة إلى نقطة مهمة سوف تساعد في فهم النتائج التي توصل إليها التحليل، وهي أن: ٧٢٪ من العناوين تعود إلى سنوات تبدأ من ٢٠١٩، وأن المصادر تتركز بوجه خاص فى مصر وقطر والإمارات. وهذا يعني أن ما نقدمه هنا هو صورة لصفحات الرأى فى هذه الصحف خلال السنوات التى شملتها المدونة، وليس حكما على الصحافة العربية بأكملها. ومع ذلك، فهى صورة كاشفة بما يكفى بأن نتوقف أمام مفارقاتها، واحدة بعد أخرى.

١الصفحة

صفحة الرأى: كثير من الرجال وقليل من النساء

لو جمعنا هذه العناوين فى صفحة واحدة، ثم بدأنا نميز منها ما يظهر فيه رجل وما تظهر فيه امرأة بوصفهما موضوعا للكلام، فسوف تنكشف فجوة قبل أن نقرأ المقالات نفسها. فمن بين كل مئة عنوان لا تظهر امرأة واحدة على الأقل إلا فى ٣٫٥٪ منها، بينما يظهر رجل فى ١٢٫٨٪، أى ما يقارب عنوانا من كل ٨. وبحساب آخر، يقابل كل عنوان تتحدث كلماته عن امرأة ٣٫٦ عناوين تتحدث عن رجل. بل إن حصة النساء تنخفض إلى ٣٫٠٪ إذا اشترطنا أن تكون المرأة محور العنوان، لا مجرد ذكر عابر فيه. وهذه الحسابات، هنا وفى سائر التحقيق، لا تدخل فيها أسماء كاتبات الأعمدة وكُتَّابها لمجرد توقيعهم المقالات.

فلنتأمل الصورة: لو صُنعت صفحة رأى افتراضية على مقياس هذه المدونة، فأين ستقع السطور القليلة التى تحضر فيها النساء وسط سائر السطور؟

كل خطّ عنوانٌ حقيقي، وطوله بطول العنوان. مرّر المؤشر على أي خط أو استخدم الأزرار.

نعنى بـ«عنوان فيه امرأة» عنوانا يذكر امرأة أو نساء بوصفهن موضوعا للكلام، لا مجرد اسم الكاتبة الموقِّعة. واختيرت العناوين المعروضة عشوائيا، بعد استبعاد ما قد يكشف هوية أشخاص عاديين.

٢النقطتان

ما تقوله علامات الترقيم

للنقطتين اللتين تلحقان اسما فى عنوان صحفى وظيفة تتجاوز الترقيم؛ فهما تفتحان الباب لصوت يجرى تقديمه إلى القارئ: «فلانة تكتب:» أو «فلان:»، ثم تأتى الكلمات التى سُمح له بأن يقولها أو تُنقل عنه. فتشنا عن أصحاب هذه الأصوات، سواء كانوا أصحاب المقالات أو من اقتبست العناوين كلامهم، فكان نصيب النساء ١٥٪ لا غير: ٣٬٢٣٦ امرأة فى مقابل ١٨٬٤٨٠ رجلا. وليست هذه نسبة المشاركات فى الكتابة الصحفية كلها، بل نسبة النساء بين مَن تظهر أسماؤهم على هذه الصورة المحددة داخل العنوان، وهو فرق لا يجوز أن تضيع دقته وراء بريق الاستنتاج.

ولنتصور مئة صوت: إذا عُلِّقت النقطتان بعد مئة اسم، فكم منها لنساء؟ وهل تبدو النسبة على حال واحدة من بلد إلى آخر؟

وهنا تكشف المقارنة الجغرافية عن تفاوت واسع، يبدأ من ٣٦٪ فى السعودية وينتهى إلى ٥٪ فى المغرب. لكن المفاجأة الأخرى تأتى مما يُقال لا ممن يقوله: فعندما تكون صاحبة الكلمة امرأة، لا تكون النساء موضوع كلامها بالضرورة، إذ لا تذكر امرأة إلا ٥٫٥٪ من عناوين الكاتبات، فى حين تتصل ٢٨٪ منها بالسياسة والحرب. فالمرأة التى تحضر بصوتها ليست أسيرة الكتابة عن النساء، وهذه واحدة من المفارقات التى قد تضيع إذا اكتفينا بعدِّ الأسماء.

    تجمع فئة «صاحب الكلمة» بين كاتب العمود ومن يُنقل قوله فى عنوانه، ولا تفصل المدونة بين الحالتين دائما. وبعض البلدان ممثلة بعدد قليل من الصحف؛ لذلك قد تعكس النسبة سياسة صحيفة أو اثنتين، لا وضع البلد كله.

    ٣لوحة الأسماء

    المرأة في العناوين .. وجه غائب واسم مجهول

    عندما رتبنا الأسماء والأوصاف بحسب تكرارها فى العناوين، كانت على رأس قائمة النساء مفردة لا تشير إلى شخص: «المرأة». ظهرت فى ٧٥٢ عنوانا، أى ٧٫٥ أضعاف ما ظهر فيه اسم أم كلثوم (١٠٠). أما كلمة «الرجل» العامة فلم تصل، فى قائمة الرجال، إلى موضع يتقدم المرتبة ١٨، إذ تتصدرها أسماء رؤساء وزعماء معروفين. وهكذا تنكشف مفارقة تستحق التأمل: فى جانب يعلو الوصف العام على الأسماء، وفى جانب آخر تتقدم الأسماء الوصف، مع أن كليهما جزء من الكلام الصحفى عن البشر.

    فى لوحة الأسماء: مَن الذى نستطيع التعرف عليه حين يرد ذكر رجل؟ ومن هى المرأة التى لا يحتاج العنوان حتى إلى تسميتها؟

    الأكثر ظهورًا بين النساء

      الأكثر ظهورًا بين الرجال

        اللوحات المخطّطة أوصافٌ عامة بلا اسم، والمصمتة أشخاصٌ بأسمائهم. الطول بالمقياس نفسه في العمودين.

        ترامب وحده له حضور فى ٢٬٣٦٩ عنوانا، وهو عدد يعادل ٦٢٪ من مجموع العناوين التى سمَّت أية امرأة باسمها، أيا كانت، والبالغ ٣٬٨٢٦ عنوانا. وعلى هامش الأسماء الكبيرة تطل مفارقة صغيرة شديدة الإنسانية: تظهر كلمة «أمّى» فى عناوين يكتب أصحابها عن أمهاتهم احتفاء أو رثاء، فى ٩١ عنوانا، أكثر من ظهور فيروز (٤٥). وما بين اسم الشهرة واسم القرابة، يتضح أن مجرد ورود المرأة لا يخبرنا دائما بالطريقة التى جرى بها تصورها أو التعريف بها.

          قادة قليلون يحتشدون فى قمة الأسماء

          ومع أن الرجال المذكورين بأسمائهم أكثر بكثير، فإن أسماءهم تتزاحم عند القمة على نحو أشد تركُّزا؛ فأكثر عشرة رجال تكرارا يستأثرون بـ٢٥٫٨٪ من جميع مرات ذكر الرجال بالاسم، فى مقابل ١١٫٢٪ لأكثر عشر نساء. وقد تحمل المقارنة المباشرة هنا ظلما سببُه اختلاف الحجم، لهذا أعدنا الحساب على عدد متساو من مرات الذكر، هو ٤٬٠١٥ لكل جانب، فوجدنا ٢٬٢٦١ اسما مختلفا لامرأة، مقابل نحو ٢٬٠٠٩ أسماء لرجال. ليست أسماء النساء فى هذه المقارنة أقل تنوعا؛ لكنها أقل حضورا فى المجموع، وأقل احتشادا حول قمة صغيرة من المشاهير.

          كل ذكرٍ لامرأة باسمها

          كل ذكرٍ لرجل باسمه

          كل مربع = ١٪ من الذكر بالاسم؛ المربعات الملوّنة نصيب الأسماء العشرة الأولى.

          وُحِّدت الصيغ المختلفة للاسم الواحد، مثل «ترامب» و«ترمب» وكتابته بالحروف اللاتينية، للأسماء المعروضة فى اللوحة فقط؛ ولهذا قد تكون المرتبة الحقيقية لكلمة «الرجل» أبعد من المرتبة الظاهرة.

          ٤الاسم أم الصفة

          حين يمتلك الرجل اسما .. وتبقى المرأة وصفا

          للإنسان اسمه الذى يميزه عن سواه، لكن الأسماء لا تُمنح فى العناوين بالنسبة نفسها للجميع. فمن كل مئة ظهور لرجل، يحضر ٧٧٪ باسمه، بينما لا يرد باسمها إلا ٤٠٪ من مرات ظهور النساء. وليس الفارق مجرد إفراط فى استخدام الألقاب، فالكلمات العامة، مثل «المرأة» و«النساء» و«الفتاة»، تُشكِّل ٢٨٪ من ظهور النساء، ولا تقابلها لدى الرجال إلا ٤٪. يصبح الاسم هنا أداة للفردية، بينما تحمل الصفة العامة صاحبتها إلى خانة واسعة قد تضم عددا لا نهاية له من النساء، دون أن نتعرف منها إلى واحدة بعينها.

          أية بطاقات تحملها الوجوه؟ لو مر أمامنا مئة رجل ومئة امرأة كما يقدمهم أصحاب العناوين، فكم منهم نستطيع أن نناديه باسمه؟

          مئة ظهور لامرأة

          مئة ظهور لرجل

          اختر فئة لإبرازها.

          ويتأكد المعنى من زاوية أخرى: فى ٢٨٪ من العناوين التى تذكر نساء لا تظهر امرأة بعينها أصلا، بل النساء بوصفهن فئة يُناقَش دورها أو حقوقها أو مكانتها؛ أما النسبة المقابلة لدى الرجال فهى ٤٪. وربما قيل إن السر فى اختلاف الموضوعات، وأن صفحات الثقافة والمجتمع تتناول النساء على نحو لا تتناول به السياسيين والرياضيين من الرجال. لكننا حين أعطينا الرجال توزيع موضوعات النساء نفسه، ظل الرجل يظهر باسمه فى نحو ٦٤٪ من مرات ظهوره، مقابل ٤٠٪ للمرأة. فاختلاف الأبواب يفسر بعض الفارق، ولا يزيله.

            قد تُخفِّف هذه المقارنة وقع الفارق، لكنها لا تبدِّل اتجاهه، ولهذا لا يكفى القول إن النساء والرجال يتوزعون على أبواب مختلفة؛ بل ينبغى النظر إلى العبارات التى اختيرت لكل منهما داخل الموضوع الواحد. هنا يكون الاختبار أدق، لأنه يقارن ما يُقدَّم للقراء فى موضوعات متقاربة.

            نفس الموضوع، لكن الأسماء لا تتساوى

            وإذا دخلنا إلى كل موضوع على حدة، من السياسة إلى الرياضة والصحة والتعليم، بقيت نسبة تسمية النساء أدنى من الرجال فى الأبواب الثلاثة عشر جميعها (١٣ من ١٣). يقترب الطرفان من بعضهما فقط عند الحديث عن المجتمع والأسرة، لا لأن أسماء النساء تكثر على نحو لافت، بل لأن ذكر الرجال بالأسماء يقل هو الآخر. الفارق إذن لا ينحصر فى المكان الذى يتحدث فيه العنوان عن المرأة، بل يمتد إلى الصيغة التى يختارها حين يتحدث عنها.

            تسمية النساءتسمية الرجالالخطّ الرفيع: مدى التقدير

            تُحسب النسبة داخل كل باب من مرات الظهور بالاسم لدى كل جنس، ولا تُعرض إلا الأبواب التى تضم مئة ظهور على الأقل لكل منهما.

            ٥الخيط

            صلة القرابة .. تعريفا

            ليست القرابة عيبا فى التعريف، فللأمومة والأبوة والزواج والأخوة مكانها الطبيعى فى حياة الناس. لكن أن تصبح رابطة القرابة طريقة لتعريف أحد الجنسين أكثر من الآخر، فهذا ما تكشفه الأرقام: تظهر المرأة موصوفة بأنها أم أو ابنة أو زوجة أو أخت فى ٩٪ من مرات حضورها، أى ٣ أضعاف النسبة لدى الرجل (٣٪). ومن بين الروابط جميعا يبرز الزواج بأشد تفاوت؛ فلفظة «الزوجة» وردت فى ١٥٠ موضعا، و«الزوج» فى ٤١، أى بفارق يبلغ ٣٫٧ أضعاف. هنا لا يُمحى الشخص بالضرورة، لكنه كثيرا ما يُقدَّم من خلال علاقة بشخص آخر.

            خيط التعريف: بأية صلة يدخل كل من المرأة والرجل إلى العنوان، ومتى تصير الصلة أهم من الاسم؟

            النساء بصلة قرابة

            الرجال بصلة قرابة

            ولا يتكرر هذا التفاوت بالصورة نفسها فى كل علاقات الأسرة؛ فمرات ذكر الأمومة والأبوة متقاربة، ٣٧٢ فى مقابل ٣٤١. لكن الميزان يميل بقوة عند الحديث عن الزواج، إذ قلما يُقدَّم الرجل بوصفه «زوج فلانة»، بينما نجد نساء معروفات يُقدَّمن فى عناوين بوصفهن زوجات رجال يحضرون بأسمائهم. وهذه أمثلة من الصياغات الفعلية التى وجدناها، لا عناوين ألَّفناها لتصوير الفرق:

              ٦حين تكون الأنوثة هي الخبر

              حين تصير أنوثة المرأة موضوع الكلام

              قد يحضر اسم امرأة فى عنوان دون أن تكون هناك علاقة مباشرة بكونها امرأة بما يقوله العنوان، كما قد يكون جنسها هو الموضوع الذى تدور حوله الجملة كلها. وبعد مزيد من التحليل، تبين أن الأنوثة تمثل محور الكلام فى ٥٢٪ من العناوين التى تحضر فيها امرأة، فى حين لا تكون ذكورة الرجل محورا مماثلا إلا فى ١٢٪ من عناوين الرجال. أى إن نحو نصف هذه العناوين يتوقف معنى حضور المرأة فيها على كونها امرأة، بينما يتحرك الرجل فى كثير من عناوينه بوصفه شخصا يُنظر إلى فعله أو قوله دون استدعاء جنسه.

              ما الذى يصنع الخبر؟ أهو ما فعلته المرأة أو قالته، أم أن مجرد كونها امرأة جزء أساسى مما يراد قوله عنها؟

              مئة عنوان فيه امرأة

              مئة عنوان فيه رجل

              الشرائح الملوّنة: عناوين يكون فيها الجنس محور الكلام.

                «محور العنوان» تقدير لمركزية الجنس فى صياغة الكلام. وتقارن هذه النسبة العناوين التى تذكر امرأة دون رجل بتلك التى تذكر رجلا دون امرأة؛ ولا تصف جميع أنواع العناوين المختلطة.

                ٧الخشبة

                ما يكشفه "النحو" .. مَن يفعل ومَن يقع عليه الفعل؟

                ثم إن للكلمات حركة لا تقل دلالة عن أسمائها وأوصافها؛ فالفعل فى العنوان يُسنَد إلى شخص، وقد يقع على آخر. فى ٦٥٪ من مرات ظهور الرجال يكون الرجل فاعلا فى صياغة الجملة، يقرر أو يهاجم أو يفوز أو يخطئ، بينما تقع المرأة فى موقع الفاعل فى ٤٨٪ من مرات ظهورها. وعلى الجهة المقابلة يقع الفعل على المرأة فى ٢١٪ من ظهورها، فى مقابل ١٥٪ للرجل. هذه أدوار تصنعها اللغة الصحفية، ولا يجوز مساواتها بما فعله أشخاص حقيقيون فى الواقع؛ لكنها تخبرنا كيف وزَّعت صياغة العنوان المبادرة والتأثر بالفعل.

                لو كان العنوان خشبة مسرح: لمن تُسند الحركة فى مقدمة المشهد، ومن نراه متلقيا لها؟

                خمسون امرأة

                خمسون رجلًا

                عندما يجتمع الاثنان فى عنوان واحد

                وفى ١٬٣١٢ عنوانا اجتمع ذكر رجل وامرأة؛ سمَّت العناوين الاثنين معا فى ٥٦٠ حالة. أما حين كان يُذكر اسم أحدهما ويُحجب اسم الآخر، فقد ذُكر الرجل وحده فى ٢١٤ عنوانا، والمرأة وحدها فى ٤٧، أى بمعدل ٤٫٦ أضعاف. وإذا نظرنا إلى اتجاه الفعل فى تلك العناوين وجدنا أن الرجل هو الفاعل والمرأة هي التي يقع عليها الفعل فى ١٨٣ عنوانا، وظهر العكس فى ١٠١ عنوان. فاجتماع الجنسين داخل المساحة الصغيرة للعنوان يتيح رؤية الفارق بصورة أخرى، لكنه لا يُغنى عن التمييز بين صياغة العنوان والحدث الذى تلخصه.

                مفارقة العناوين المشتركة

                والمدهش أن اجتماع الرجل والمرأة فى العنوان لا يوسع فجوة التسمية كما كان يمكن أن نتوقع. فلو طبقنا على العنوان المشترك نسب التسمية حين يظهر كل منهما منفردا، حيث يُسمّى الرجل فى ٧٨٪ من عناوينه، والمرأة فى ٣٩٪، لكان المتوقع أن تُذكر تسمية الرجل وحده بمعدل يقارب ٥٫٥ أضعاف تسمية المرأة وحدها؛ لكن المعدل المرصود هو ٤٫٦. أى إن الفارق يضيق بعض الشىء فى العناوين المشتركة، دون أن يختفى. إنها نتيجة وصفية تستحق الاهتمام، وليست برهانا على أن وجود الرجل هو الذى يسبب تسمية المرأة.

                ×٥٫٥الفارق المتوقَّع من التسمية في العناوين المنفردة
                ×٤٫٦الفارق الملاحَظ فعلًا في العناوين المشتركة

                عدد العناوين التى يرد فيها الرجل والمرأة معا صغير نسبيا (١٬٣١٢ عنوانا)، لذا ينبغى قراءة الفروق هنا بوصفها إشارات لا تقديرات شديدة الدقة.

                  الدور النحوى مأخوذ من كلمات العنوان وحدها: «الفاعل» هو من يُسنَد إليه الفعل فى الجملة، لا حكما على صاحب المبادرة فى الوقائع نفسها.

                  ٨الحرارة

                  دفء الكلمات لا يعنى خلوها من المفارقة

                  ليس السؤال عمن يظهر فى العنوان وبأية صفة وحده كافيا، فهناك أيضا النبرة التى يرافق بها الكلام صاحبه. وقد وجدنا أن ٤٤٪ من العناوين التى تذكر امرأة تحمل انفعالا متوسطا أو عاليا، فى مقابل ٣٣٪ من عناوين الرجال، و٢١٪ من العناوين التى لا تذكر أشخاصا. وعند قياس الإيجابية تظهر فجوة أخرى: ٢٦٪ للنساء فى مقابل ١٣٪ للرجال. لكن من الخطأ أن نخلط الانفعال أو الإيجابية بالإثارة؛ فالعناوين التى تذكر نساء ليست الأكثر إثارة وفق هذا القياس، إذ تبلغ النسبة فيها ٢٢٪ فى مقابل ٢٤٪ لدى عناوين الرجال.

                  ولكن من أين يأتى هذا الدفء؟ هل تصنعه موضوعات الثقافة والمجتمع التى تحضر فيها النساء، أم طريقة الحديث عنهن داخل الموضوع نفسه؟

                  عناوين فيها امرأة (دون رجل)عناوين فيها رجل (دون امرأة)

                  للإجابة عدنا إلى الأبواب، فلم تختف الظاهرة: كانت عناوين النساء أكثر انفعالا فى ١٢ من ١٢ موضوعا، وأكثر إيجابية فى ١١ منها. فاختلاف نوع الموضوع لا يكفى وحده لتفسير الفارق؛ هناك أيضا طريقة فى تقديم المرأة تميل إلى التحية أو الرثاء أو الإشفاق. وفى المقابل، يحضر الاستفهام فى ١٢٫٢٪ من عناوين الرجال، مقابل ٧٫٥٪ لدى النساء. وليس فى ذلك حكم بأن الدفء خير دائما، أو أن السؤال اتهام دائما؛ إنما نحن أمام اختلاف فى الصياغة يظل قائما عبر الموضوعات.

                  وحين يتوجه التقييم إلى الشخص نفسه؟

                  أما إذا انتقلنا من نبرة العنوان كلها إلى طريقة وصف الشخص المذكور فيه، فسوف نجد المرأة تُذكر بإيجابية أعلى من الرجل فى ١٣ من ١٣ بابا. ويبلغ الفارق أقصاه فى موضوعات قضايا المرأة والنوع، ويكون أضيق ما يكون فى التاريخ. وتتيح اللوحة التالية النظر مرة إلى نسبة الإيجابية داخل كل مجال للحديث، ومرة إلى الفارق بين النسبتين؛ فليس الفرق بين مجموعتين هو قيمة أى منهما على حدة.

                  النساءالرجالالخطّ الرفيع: مدى التقدير
                  ٩عالمان

                  أثر الغائبين فى مفردات العناوين

                  حتى إذا تجاوزنا الأسماء وتوقفنا عند الألفاظ، لم تتشابه الكلمات عند الحديث عن الرجال والنساء. قارنا الكلمات الأكثر تمييزا لكل مجموعة، فبرزت فى جانب النساء مفردات «المرأة»، و«المصرية»، و«الأم»، و«حقوق»، و«النساء»، و«للمرأة»، بينما برزت فى جانب الرجال «رجل»، و«زيارة»، و«الأسد»، و«ترامب»، و«خطاب»، و«ابن». وليس المقصود أن كل كلمة منها حكر على جنس دون آخر، بل أن حضورها النسبى هو ما يميز جانبا من الآخر فى هذا القياس.

                  وللكلمات بصمتها أيضا: إذا تنحَّت الأسماء عن المشهد، فهل تظل المفردات كافية للكشف عن طريقة تقديم كل جانب؟

                  أكثر تمييزًا للنساء

                  أكثر تمييزًا للرجال

                  الطول = درجة التمييز، لا عدد المرات.

                  خريطة الكلمات الأكثر تكرارا

                  هنا تُعرض الكلمات الأكثر تكرارا فى العناوين جميعها، وفى عناوين النساء، وفى عناوين الرجال، بعد تحويل التكرار إلى معدل لكل ألف عنوان حتى لا تخدعنا فروق الحجم. وأُعطيت كل كلمة لون الباب الذى يكثر حضورها فيه؛ ويمكن للقارئ أن يتوقف عند الشريط الذى يشاء، أو ينقره، أو يبحث عن كلمة بعينها. فالطول فى لوحة التمييز السابقة ليس عدد المرات، أما هنا فنقرأ تكرارا معياريا قابلا للمقارنة.

                  مرّر المؤشر على شريط، أو ابحث عن كلمة.
                  ١٠المفردات

                  المرأة بين العنف والتمكين والمظهر

                  فى مقارنة سابقة لعناوين مكتوبة بالإنجليزية، وجد تحليل منشور أن مفردات العنف فى العناوين التى تذكر نساء تبلغ نحو كلمتين مقابل كلمة واحدة من مفردات التمكين. لكن الصورة التى تُظهرها عناوين الرأى العربية هنا مختلفة؛ فمن كل ألف عنوان فيه امرأة، يحمل ٣٥ عنوانا ألفاظا من حقل العنف، فى مقابل ٣٢ تتصل ألفاظها بالتمكين والإنجاز. والفئتان معا أعلى حضورا مما فى عناوين الرجال. وليس هذا الحكم على المعنى الكامل للعناوين، بل على حضور كلمات اختيرت سلفا لقياس هذين الحقلين.

                  والسؤال عما يحيط بالمرأة من ألفاظ: أين تقع كلمات العنف والقدرة، وأين يظهر الكلام عن الجسد والمظهر؟

                    غير أن الفارق الأوسع لا ينكشف هنا بين العنف والتمكين، بل فى الكلمات التى تتصل بالمظهر والجسد؛ فالجمال، والفستان، والحجاب، والأنوثة، وما شابهها، تحضر فى ١٧ عنوانا من كل ألف عنوان فيه امرأة، ولا تحضر إلا فى ٢ من كل ألف عنوان فيه رجل، أى نحو ٨ أضعاف. وقد يصل الأمر فى أحد العناوين إلى وصف رئيسة دولة بأنها «جميلة الجميلات»، فى تعبير يضع الهيئة فى مقدمة التعريف بشخص يتصل حضوره أيضا بالشأن العام. هنا تحديدا يتعين أن نرى اللفظ الذى استخدمه العنوان، لا أن نستنتج منه وحده نية كاتبه.

                    اعتمدنا قوائم مفردات وضعناها لهذا القياس؛ وهى ترصد وجود الكلمة لا المعنى الذى حملته فى سياقها. فقد ترد «الحجاب»، مثلا، فى نقاش سياسى. والمقارنة مع تحليل The Pudding الإنجليزى المنشور عام ٢٠٢٢ مقارنة فى الاتجاه العام فحسب، لا فى قيمة النسب، لاختلاف المدوّنات وقوائم الكلمات.

                    ١١الأقسام

                    باب السياسة وباب المجتمع والأسرة

                    وحين ننتقل من العنوان الفردى إلى أبواب الصحيفة، تتغير المسافات بين الجنسين تغيرا واسعا. ففى السياسة لا تظهر النساء إلا فى ١٫٧٪ من العناوين، مقابل ١٩٪ للرجال؛ أى ما يقارب امرأة فى مقابل أحد عشر رجلا من حيث نسبة حضورهم فى هذه العناوين. أما باب المجتمع والأسرة فهو الوحيد الذى تتقارب فيه النسبتان إلى حد شبه التعادل: ٩٫٩٪ للنساء و٩٫٥٪ للرجال. وفى باب «قضايا المرأة» تحضر النساء فى ٧٤٪ من العناوين، ويذهب إلى هذا الباب ١٦٪ من مجموع عناوين النساء. إنها صورة لتوزيع الظهور على الموضوعات، لا قياس لمشاركة النساء أو الرجال فى أحداثها الواقعية.

                    على أى أبواب تتوزع الأسماء؟ وأين تقل المسافة بين حضور النساء والرجال، وأين تتسع؟

                    نسبة العناوين التي فيها امرأةنسبة العناوين التي فيها رجلكل مربع = ١٪ من عناوين القسم

                    وثمة مفارقة أخرى لا تظهر بمجرد البحث عن لفظ «امرأة» فى عنوان يخص النساء؛ فقد وجدنا ٦٣٤ عنوانا تدور حول قضايا تمس النساء مباشرة، من قانون الأسرة إلى التحرش والأمومة، دون أن تذكر امرأة أصلا. لا يعنى هذا أن تلك المقالات خالية من أصوات النساء أو تجاربهن، وإنما يعنى أن العنوان، وهو وحده مجال هذه القراءة، تناول القضية دون الإشارة إلى امرأة بعينها أو إلى النساء بوصفهن أشخاصا حاضرين فيه.

                      ١٢المِهَن

                      السياسى والمغنية

                      وللألقاب المهنية والمناصب حكاية أخرى؛ فعندما تُذكر وظيفة صاحب العنوان أو صفته المهنية، يتصدر «سياسى» قائمة الرجال بتكرار يبلغ ٥٬٣٧١ مرة، بينما تتصدر «مغنية» قائمة النساء بـ٢٤٣ مرة. وتستأثر مواقع الحكم والسياسة بـ٥٩٪ من المهن المذكورة للرجال، مقابل ٢٥٪ للنساء. أما الفن فيستحوذ على ١٧٪ من أوصاف مهن النساء، مقابل ٣٪ للرجال، وتبلغ الأدوار العائلية، مثل الأم والزوجة والعروس، ١١٪ فى جانب النساء ولا تزيد على ١٪ فى جانب الرجال. نتحدث هنا عن نسب داخل الأوصاف التى وردت، لا عن توزيع المهن بين الناس خارج الصحافة.

                      إذا علقت على كل اسم بطاقة: ما المهنة أو الصفة التى تميل إليها العناوين عند تعريف امرأة، وما التى تمنحها لرجل؟

                      بطاقات النساء

                      بطاقات الرجال

                      تتناسب مساحة البطاقة مع مرات ورود المهنة أو الوصف داخل عمودها. أما الشريط أسفل العمود فيوزع مئة مهنة أو صفة مذكورة على مجالاتها المختلفة.

                      ١٣الخريطة والزمن

                      تتغير البلدان والسنوات.. ولا يتغير الحضور

                      أما النظر عبر البلدان والسنوات فلا يعطينا خطا صاعدا مطمئنا. يتراوح حضور النساء فى العناوين بين ٤٫٩٪ فى مصر و١٫٨٪ فى قطر، وتبدو الفروق بين البلدان فى أصوات النساء اللواتى يكتبن أو يُقتبس منهن أوسع من الفروق فى النساء اللواتى تُكتب العناوين عنهن. وفى مصر ارتفع حضور النساء من ١٫٨٪ سنة ٢٠١٥ إلى ٦٫٢٪ سنة ٢٠٢٢، ثم عاد إلى ٤٫٥٪ سنة ٢٠٢٤. وبقى فى قطر قريبا من ٢٪، بينما تراجع فى الإمارات من ٤٫٤٪ سنة ٢٠٠٥ إلى ١٫٣٪ سنة ٢٠٢٤. ولأن الصحف الممثلة وحجم الأرشيف يختلفان، فلا يجوز أن ننسب كل تغير إلى تحول حقيقى فى المجتمع أو الصحافة.

                      وماذا يقول الزمن؟ هل تقود السنوات إلى اتساع مستمر لحضور النساء، أم أن المشهد يتغير صعودا وهبوطا بتغير البلد والأرشيف؟

                      أرشيف السنوات

                      نقارن السنوات داخل البلد نفسه حتى لا نخلط بين تغير المصادر واتجاه زمنـى مزعوم. كل مربع يمثل سنة، ولونه يتبع نسبة العناوين التى فيها امرأة؛ ويبهت اللون حين يكون عدد العناوين قليلا.

                      ما الذى يبقى بعد قراءة هذه العناوين؟

                      1. فى كل ٢٨ عنوانا نجد عنوانا فيه امرأة، بينما نجد عنوانا فيه رجل فى كل ٨ عناوين.
                      2. فى مقدمة قائمة النساء تأتى كلمة «المرأة»، لا اسم امرأة بعينها؛ فالصفة العامة أكثر تكرارا من أسماء المشاهير.
                      3. يُذكر الرجل باسمه فى ٧٧٪ من ظهوره، والمرأة فى ٤٠٪، ويُستعان بالقرابة لتعريف المرأة بمعدل ٣ أضعاف الرجل.
                      4. يُسنَد الفعل إلى الرجل فى ٦٥٪ من ظهوره النحوى، وإلى المرأة فى ٤٨٪؛ ولا تصف هذه النسب الفعل فى الواقع.
                      5. عناوين النساء أكثر دفئا وانفعالا عبر الموضوعات، دون أن تكون أكثر إثارة، بينما تتكرر مفردات المظهر بنحو ٨ أضعاف.
                      6. لا تزيد نسبة النساء بين أصحاب الكلمة المعلَنة فى العنوان على ١٥٪، ولا يرسم توزع السنوات مسارا ثابتا للتحسن.

                      لن يكون من الإنصاف أن نعتبر كل عنوان من هذه العناوين منحازا، أو أن نستخرج من الأرقام حكما على نيات محرريها؛ فالمدونة لا تكشف النيات، ولا تحكى كل ما ورد فى متون المقالات. لكنها تتيح رؤية عادة لغوية تتكرر حتى تصبح مألوفة فلا ننتبه إليها: أن يحضر الرجل باسمه وما فعله، وأن تحضر المرأة، فى حالات أكثر، بصفتها أو قرابتها أو الهيئة التى يراها فيها الآخرون. وإذا كان العنوان مساحة ضيقة تختار الصحافة فيها من تُسميه وكيف تقدمه، فإن تلك الاختيارات الصغيرة، حين تتكرر عبر مئات الآلاف من العناوين، تصير جديرة بأن نقرأها على مهل. لا لنطالب كل عنوان بأن يقول كل شىء، بل لنسأل عما اعتاد أن يقول، وعما اعتاد أن يتركه خارج الكلمات. ومن الإنصاف أيضا أن نشير إلى أن فكرة هذا التحقيق استلهمت بعض ملامحها من مقال «When Women Make Headlines» المنشور على منصة The Pudding، وهو عمل فتح بابا مهما للنظر فى الكيفية التى تحضر بها النساء فى العناوين الصحفية. أما ما نقدمه هنا من تحليل للصحافة العربية، بمدونته وقياساته ومقارناته ونتائجه، فهو عمل بحثى مستقل أُنجز بالكامل فى «سيا»، انطلاقا من بياناتنا وأسئلتنا البحثية، وبأدوات تحليلية طورناها لهذا الغرض. فالاستلهام كان فى الفكرة العامة، أما البحث وما انتهى إليه من نتائج فهو جهد أصيل خاص بسيا.

                      هل وجدتَ هذه القصة مفيدة؟