ملف سيا · ١٩٤٨–١٩٩١

فاتورة مصر: من الفالوجا إلى الكويت

أربعة عقود من الحروب والالتزامات العربية: ماذا قدّمت مصر، وأيّ ثمن دفعه المصريون؟

من فلسطين إلى اليمن والجزيرة العربية، أرسلت مصر جنودها، ومن القاهرة دعمت الثورة الجزائرية بالسلاح. وخاضت أربع حروب على أرضها، وأُغلقت قناة السويس ثماني سنوات. اختلفت دوافع هذه المشاركات وطبيعتها، وتعددت أثمانها على المصريين: جنود لم يعودوا، وعتاد فُقد في المعارك، وسكان غادروا مدنهم، وإنفاق عسكري أثقل الموازنات. وبعد حرب الخليج، جاء تخفيف بعض الديون بشروط، ليضيف إلى الحكاية فصلا آخر عن الحرب وكلفتها.

  • السيسي يطلب رسميًا من البرلمان تفويضًا لتقديم دعم عسكري دفاعي للمملكة العربية السعودية (المصدر: Newscord)
  • مجلس النواب المصري يجتمع بعد تعهد مجلس الدفاع الوطني بالدعم الكامل للمملكة (المصدر: Egypt Today)
  • رئيس مجلس النواب المستشار هشام بدوي يدير مداولات مكثفة حول أمن الخليج العربي (المصدر: أخبار اليوم)
  • البرلمان المصري يرفع جلسته الاستثنائية بخصوص النطاق المحتمل لإرسال قوات عسكرية إلى السعودية (المصدر: المصري اليوم)
  • مجلس النواب يفتح ملف التطورات الإقليمية في جلسة سرية أولى بطلب رئاسي (المصدر: جريدة الأهرام)
  • البرلمان المصري يؤجل التصويت على الدعم العسكري للمملكة العربية السعودية (المصدر: الجزيرة الإنجليزية)
  • البرلمان المصري يوافق على تفويض السيسي لدعم السعودية عسكريا (المصدر: الجزيرة)
  • مصر.. شيخ الأزهر يدعو إلى تشكيل لجنة وساطة عاجلة لإنهاء حروب المنطقة العربية (المصدر: CNN بالعربية)
  • رفض وتحفظات برلمانية على التصويت لغياب البيانات الكافية (المصدر: منصة نبأ اليوم الإخبارية)

في أواخر أكتوبر ١٩٤٨، حاصرت قوات دولة الاحتلال الاسرائيلي نحو أربعة آلاف جندي مصري في الفالوجا، بلدة صغيرة في جنوب فلسطين. أربعة أشهر ظلّ اللواء صامدًا في مواقعه، ولم يغادر إلا في ٢٦ فبراير ١٩٤٩، بعدما نصّت اتفاقية الهدنة على عودته إلى مصر.١ كان من بين المحاصَرين رائد في الثلاثين من عمره اسمه جمال عبد الناصر.

السيد طه بك، قائد القوة المصرية المحاصَرة في الفالوجا (في الوسط)، في طريقه إلى التفاوض، ١١ نوفمبر ١٩٤٨.
السيد طه بك، قائد القوة المصرية المحاصَرة في الفالوجا (في الوسط)، في طريقه إلى التفاوض، ١١ نوفمبر ١٩٤٨.٥٤

بعد اثنين وأربعين عامًا كانت الحركة في الاتجاه المعاكس. في الأشهر التي تلت غزو العراق للكويت في أغسطس ١٩٩٠، خرج من العراق ٣٥٠ ألف مصري على الأقل حتى منتصف يناير ١٩٩١، وعاد من الكويت نحو ١٣٥ ألف عامل.٢ وفي فبراير كان أكثر من ٣٥ ألف جندي مصري في مقدمة الهجوم البري لتحرير الكويت.٣

بين المشهدين عشر محطات، لكل منها مكانها ودوافعها وأثمانها: أربع حروب دارت على أرض مصر، وثلاث حملات عبر فيها الجنود الحدود، ودعم بالسلاح والسياسة من دون إرسال جنود، ومواجهتان قصيرتان، إحداهما مع دولة عربية مجاورة. نتتبع هذه المحطات بالترتيب الزمني، ونسأل في كل منها: ماذا قدّمت مصر، ومن دفع الثمن؟

أين تحركت مصر

من الجزائر إلى الكويت: سلاح ومال ودعم سياسي

على الخريطة، تنطلق الخطوط كلها من القاهرة، لكن لكل خط حكاية مختلفة. إلى فلسطين واليمن والكويت ذهب جنود مصريون، وإلى الجزائر وصل السلاح والمال والدعم السياسي. أما حروب ١٩٥٦ والاستنزاف وأكتوبر، فلم تكن بعيدة عن مصر كي نرسم خطًا إليها؛ دارت في سيناء وعلى ضفتي قناة السويس، ووصلت نيران الحرب في ١٩٧٠ إلى مصانع الدلتا ومدارسها.

عشرة ملفات، خمسة أنواع من الحضور المصري

يوضح شكل الخط نوع المشاركة: إرسال جنود عبر الحدود، أو دعم من دون جنود، أو مواجهات قصيرة، أو مشاركة في تحالف. أما الدوائر داخل مصر، فتشير إلى حروب دارت على أرضها. اختر ملفًا لتعرف من دعمته مصر، وكيف شاركت، وماذا كلّفها ذلك.

    المصادر: لكل ملف مصادره في البطاقة. الخطوط اتجاهات رمزية من القاهرة، لا مسارات انتشار فعلية، والحدود من بيانات Natural Earth.
    الخريطة في جدول

    أربعة عقود متداخلة

    حروب انتهت، وأعباء بقيت

    قد تبدو الحروب في القائمة أحداثًا منفصلة، لكن آثارها امتدت سنوات وتداخلت. أدارت مصر قطاع غزة نحو عقدين، ودعمت الثورة الجزائرية بالسلاح ثماني سنوات، وبقيت قواتها في اليمن خمس سنوات. وبعد حرب ١٩٦٧، أُغلقت قناة السويس ثماني سنوات، وبقي سكان مدنها بعيدين عن بيوتهم، فيما خاضت مصر حرب الاستنزاف ثم حرب أكتوبر.٤،٥،٦،٧،٨ أطول ما دفعته مصر لم يكن أيام القتال، فقد انتهت المعارك، لكن أثمانها استمرّت.

    ما الذي كان يجري في الوقت نفسه

    يمثّل كل صف حدثًا أو عبئًا تحمّلته مصر، ويبيّن طول الشريط مدته. يُقرأ الزمن من اليمين إلى اليسار، والخط الأحمر يشير إلى قمة الخرطوم في أغسطس ١٩٦٧.

    المصادر: لكل صف مصدره في القراءة أعلاه وفي الجدول. "تقريبًا" بجانب السنوات تعني أن البداية أو النهاية غير محددة بيوم.
    الخط الزمني في جدول

    فلسطين، ١٩٤٨–١٩٤٩

    الحرب الأولى خارج الحدود

    في مايو ١٩٤٨، دخل الجيش المصري فلسطين إلى جانب جيوش عربية أخرى. وبحلول الخريف، بلغ عدد قواته هناك نحو ١٨ ألف جندي، قبل أن يدفعها الهجوم المضاد لقوات دولة الاحتلال الاسرائيلي إلى اتخاذ مواقع دفاعية، ويتوغّل داخل سيناء.٩ وبحسب تقديرات الموسوعة البريطانية، قُتل في الحرب نحو ١٤٠٠ جندي مصري.١٠

    لم تقتصر خسائر الحرب على الميدان؛ فقد امتدّت إلى خزانة الدولة. أقدم تقدير مكتوب عثرنا عليه ورد في مقال نُشر في أكتوبر ١٩٤٩، نقل عن "دوائر مالية" أن نفقات حرب فلسطين بلغت ٣٠ مليون جنيه. وذكر المقال أن البرلمان أقرّ في أبريل من العام نفسه ٨ ملايين جنيه إضافية للنفقات العسكرية الاستثنائية.١١ وانتهت الحرب بالتزام لم يكن عسكريًّا: صار قطاع غزة تحت الإدارة المصرية، وقد تدفق إليه أكثر من ٢٠٠ ألف لاجئ، وبقي كذلك حتى يونيو ١٩٦٧، باستثناء أربعة أشهر بعد حرب ١٩٥٦.٤

    الجزائر، ١٩٥٤–١٩٦٢

    سلاح بلا جنود

    لم يرسل الجيش المصري وحدات قتالية إلى الجزائر. فقد كان الدعم من نوع آخر، حيث احتضنت القاهرة النشاط الدبلوماسي لجبهة التحرير الوطني، وعبرت شحنات السلاح البحر لدعم الثورة. وفي دراسة صدرت عام ١٩٦٣، وصف الجيش الأمريكي مصر بأنها من أبرز داعمي الجبهة عسكريًا وسياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا.٥

    في أكتوبر ١٩٥٦، اعترضت البحرية الفرنسية الباخرة "أثوس"، وعلى متنها نحو ٧٠ طنًا من السلاح. واتهمت باريس مصر، في شكوى إلى الأمم المتحدة، بأنها مصدر الشحنة.٥،١٢ لكن كم أنفقت القاهرة على دعم الثورة؟ لا نملك رقمًا موثوقًا؛ فالدراسة الأمريكية نفسها تقول إن إجمالي المساعدات العسكرية الأجنبية لجبهة التحرير غير معروف. أما الثمن السياسي، فظهر بعد أسابيع: كان دعم مصر للثورة الجزائرية أحد أسباب مشاركة فرنسا في الهجوم عليها في نوفمبر ١٩٥٦، إلى جانب تأميم قناة السويس.١٣،١٤

    لقطتان من تقرير مصوّر فرنسي عن الباخرة أثوس التي اعترضتها البحرية الفرنسية وهي تحمل سلاحًا إلى الثورة الجزائرية، أكتوبر ١٩٥٦.لقطتان من تقرير مصوّر فرنسي عن الباخرة أثوس التي اعترضتها البحرية الفرنسية وهي تحمل سلاحًا إلى الثورة الجزائرية، أكتوبر ١٩٥٦.
    لقطتان من تقرير مصوّر فرنسي عن الباخرة أثوس التي اعترضتها البحرية الفرنسية وهي تحمل سلاحًا إلى الثورة الجزائرية، أكتوبر ١٩٥٦.٥٥

    بورسعيد، ١٩٥٦

    حين جاءت الحرب إلى المدن

    في ٢٦ يوليو ١٩٥٦، أمّمت مصر شركة قناة السويس. وبعد ثلاثة أشهر، اجتاح جيش دولة الاحتلال الاسرائيلي سيناء، ثم أنزلت بريطانيا وفرنسا قواتهما في بورسعيد وبورفؤاد.١٤ وكان الثمن العسكري ثقيلًا: نحو ١٦٥٠ قتيلًا و٤٩٠٠ جريح من القوات البرية المصرية، وأكثر من ٦ آلاف أسير أو مفقود، وفق تقديرات مراقبين عسكريين أجانب أوردتها مكتبة الكونجرس.١٥

    أما قتلى بورسعيد من المدنيين، فلا يقدّم التقرير العسكري البريطاني حصيلة لهم. فقد كتب قائد القوات البريطانية في تقريره الرسمي أن "لا سجلات للقتلى أو الجرحى كانت متاحة".١٦ وتوقفت الملاحة في القناة بعد إغراق سفن في مجراها، ولم تعد إلا في ربيع ١٩٥٧ بعد التطهير وإزالة العوائق.٧ كانت تلك المرة الأولى التي تُغلق فيها القناة بسبب الحرب؛ أما الإغلاق الثاني، فسيستمر ثماني سنوات.

    سفن أُغرقت في مجرى القناة عند بورسعيد، ١٩٥٦.
    سفن أُغرقت في مجرى القناة عند بورسعيد، ١٩٥٦.٥٦

    اليمن، ١٩٦٢–١٩٦٧

    خمس سنوات في الجبال

    بدأ التدخل المصري في اليمن بكتيبة، ثم اتّسع إلى عشرات الآلاف من الجنود. ففي ٥ أكتوبر ١٩٦٢، بعد أيام من إعلان الجمهورية في صنعاء، وصلت كتيبة من الصاعقة المصرية إلى ميناء الحديدة.١٧ وبحلول نوفمبر ١٩٦٣، قدّرت الاستخبارات الأمريكية عدد القوات المصرية بنحو ٣٠ ألف جندي، يسيطرون مع القوات الجمهورية على نحو ثلثي البلاد.١٨ وفي فبراير ١٩٦٥، رفعت مذكرة للمخابرات المركزية التقدير إلى نحو ٤٥ ألف جندي، موزّعين على عشرة ألوية مشاة، تدعمهم الدروع والطائرات.١٩ أما عند ذروة التدخل، فقد بلغ العدد بين ٥٠ و٦٠ ألفًا، بحسب شهادة شفوية لدبلوماسي أمريكي.٢٠

    ولم يكن اتّساع التدخل بلا ثمن. قدّرت المذكرة نفسها أن القوات المصرية فقدت "على الأرجح نحو ٥٠٠٠ قتيل" حتى فبراير ١٩٦٥، وأن الحرب أضافت أكثر من ٦٠ مليون دولار سنويًّا إلى كلفة الجيش في وقت السلم.١٩ ولم تكن تلك حصيلة نهائية؛ فقد استمرت الحرب أكثر من عامين بعد صدور المذكرة. وفي قمة الخرطوم، في أغسطس ١٩٦٧، اتفق عبد الناصر والملك فيصل على انسحاب القوات المصرية من اليمن، وغادرت آخرها قبل نهاية العام.١٧،٦

    يمينًا: قوات مصرية في صنعاء. يسارًا: عبد الناصر (واقفًا إلى اليسار) يستقبله اليمنيون في زيارته لصنعاء، أبريل ١٩٦٤، وأمامه الرئيس اليمني عبد الله السلال يؤدي التحية.يمينًا: قوات مصرية في صنعاء. يسارًا: عبد الناصر (واقفًا إلى اليسار) يستقبله اليمنيون في زيارته لصنعاء، أبريل ١٩٦٤، وأمامه الرئيس اليمني عبد الله السلال يؤدي التحية.
    يمينًا: قوات مصرية في صنعاء. يسارًا: عبد الناصر (واقفًا إلى اليسار) يستقبله اليمنيون في زيارته لصنعاء، أبريل ١٩٦٤، وأمامه الرئيس اليمني عبد الله السلال يؤدي التحية.٥٧،٥٨

    كم جنديًّا مصريًّا كان في اليمن، ومتى

    يوضّح كل عمود العدد المقدّر للقوات في تاريخ محدّد، وليس إجمالي من خدموا في اليمن طوال الحرب. تستند الأعمدة الداكنة إلى وثائق أمريكية من تلك الفترة، والفاتحة إلى تقديرات جُمعت لاحقًا.

    وثيقة أمريكية معاصرةتجميع لاحق
    المصادر: تقدير الاستخبارات القومي الأمريكي (نوفمبر ١٩٦٣)، ومذكرة CIA الخاصة ٩-٦٥ (فبراير ١٩٦٥)، وشهادة دبلوماسية في أرشيف ADST، وتجميع ويكيبيديا للحرب الأهلية في شمال اليمن، ومشروع CASCON. القياس: القوات المصرية الموجودة في اليمن في تاريخ كل عمود؛ والقتلى عسكريون مصريون.
    الرسم في جدول

    بعد فبراير ١٩٦٥، تصبح حصيلة القتلى أقل وضوحًا. تتكرر في الكتابات اللاحقة تقديرات لإجمالي قتلى الحرب تتراوح بين ١٥١٩٤ و٢٦ ألفًا. ويُنسب الرقم الأدنى إلى إحصاءات رسمية للجيش، لكننا لم نعثر على السجل الأصلي في مصدر متاح للاطلاع.١٧،٢١ أما المؤرخ جيسي فيريس، فيرى في دراسته التي نشرتها جامعة برنستون عام ٢٠١٢ أن بعض التقديرات الشائعة للكلفة المباشرة مبالغ فيها. ويلفت إلى أن للحرب ثمنًا آخر: سنوات من القتال في اليمن استنزفت جاهزية الجيش المصري.٢١،٢٢

    القناة والعون العربي، ١٩٦٧–١٩٧٥

    ثماني سنوات بلا قناة، وعون عربي بديلا لها

    بعد حرب ١٩٦٧، توقفت الملاحة في قناة السويس ثماني سنوات، ولم تُفتح مجددًا إلا في ٥ يونيو ١٩٧٥.٧ وطوال تلك المدة، بقيت ١٤ سفينة تجارية عالقة في البحيرة المرة الكبرى.٢٣ وخسرت مصر معظم دخلها من القناة: انخفض متوسط الإيرادات السنوية من ١٦٤ مليون دولار خلال ١٩٥٩–١٩٦٦ إلى ١٥ مليونًا خلال ١٩٦٧–١٩٧٢.٢٤ أما في مدن القناة، فكان الثمن مغادرة البيوت. أُجلي معظم سكان بورسعيد والإسماعيلية والسويس إلى الدلتا والقاهرة، وتتراوح تقديرات أعداد المهجّرين بين ٦٠٠ ألف ومليون شخص.٨،٢٥

    في الخرطوم، في أغسطس ١٩٦٧، تغيّر اتجاه المال لأول مرة. تعهدت السعودية والكويت وليبيا بنحو ٢٦٠ مليون دولار سنويًّا لمصر.٢٦ وفي القمة نفسها اتفق عبد الناصر والملك فيصل على إنهاء الوجود العسكري المصري في اليمن.١٧ بعد خمس سنوات من دعم الآخرين، صار العون العربي يتجه إلى مصر.

    سفن في مجرى القناة، من صور قصة السفن التي علقت في القناة ثماني سنوات (١٩٦٧–١٩٧٥).
    سفن في مجرى القناة، من صور قصة السفن التي علقت في القناة ثماني سنوات (١٩٦٧–١٩٧٥).٥٩

    ما خسرته القناة، وما تعهد به العرب

    ثلاثة مبالغ سنوية بالمقياس نفسه (مليون دولار في السنة)، ثم مدة إغلاقي القناة.

    المصادر: تقرير البنك الدولي المعتمد على بيانات البنك المركزي كما نقلته مراجعة التحقق (متوسطات الإيصالات بالدولار الجاري)؛ جيل فيلر (تعهد الخرطوم)؛ هيئة قناة السويس (الإغلاق وإعادة الفتح). تنبيه: الإيصالات إيراد إجمالي لا ربح، والتعهد منحة لا إيراد، فلا يُطرح أحدهما من الآخر.
    الرسم في جدول

    الاستنزاف، ١٩٦٧–١٩٧٠

    الحرب في المصنع والمدرسة

    على امتداد القناة تبادل الجيشان القصف ثلاث سنوات. ثم وصلت الغارات إلى عمق الدلتا. في فبراير ١٩٧٠ قصفت طائرات دولة الاحتلال الاسرائيلي مصنعًا في أبو زعبل وقتلت نحو ٨٠ عاملًا بحسب تقارير ذلك العام.٢٧ وفي ٨ أبريل، قصفت مدرسة بحر البقر الابتدائية في الشرقية. وذكرت الأهرام مقتل ٣٤ طفلًا، بينما تورد مصادر لاحقة حصيلة بلغت ٤٦ طفلًا.٢٨،٢٩

    كم مصريًا قُتل في حرب الاستنزاف؟ يتكرر رقمان، لكن كلًا منهما يحصي فئات مختلفة: ٢٨٨٢ قتيلًا في تقدير منسوب إلى الفريق سعد الدين الشاذلي، يقتصر على العسكريين، ونحو ١٠ آلاف في تقدير منسوب إلى المؤرخ بني موريس، يشمل العسكريين والمدنيين معًا. لذلك لا يصح عرضهما كأنهما تقديران للفئة نفسها.٣٠ وحتى نهاية ١٩٧٠، بعد أشهر من وقف إطلاق النار في أغسطس، ظلّ ٧٢ أسيرًا مصريًا محتجزين.٣١

    أكتوبر ١٩٧٣

    العبور، وثمنه

    في ٦ أكتوبر ١٩٧٣، عبرت قوات الجيشين الثاني والثالث قناة السويس. وضمّ الجيشان نحو ٢٠٠ ألف جندي، قُتل منهم نحو ٨ آلاف خلال القتال، بحسب دراسة مكتبة الكونجرس، التي تذكر أيضًا خسارة مصر أكثر من ٢٠٠ طائرة و١١٠٠ دبابة.٣٢ لكن حصيلة القتلى تختلف باختلاف المصدر؛ إذ تتراوح تقديرات منشورة أخرى بين ٥ آلاف و١٥ ألفًا.٣٣،٣٤ أما الأسرى، فبحلول نهاية أكتوبر كان الصليب الأحمر قد تسلّم قوائم تضم أسماء ٢١٦٧ أسيرًا مصريًا، ولم تكن القوائم قد اكتملت بعد. وتورد تجميعات لاحقة عددًا أكبر بلغ ٨٣٧٢ أسيرًا.٣٥،٣٣

    جنود مصريون على جسر عائم فوق القناة أثناء العبور، أكتوبر ١٩٧٣.
    جنود مصريون على جسر عائم فوق القناة أثناء العبور، أكتوبر ١٩٧٣.٦٠

    وفي عام الحرب، قدّرت الاستخبارات الأمريكية ميزانية الدفاع المحلية لمصر بـ١٫٦ مليار دولار، إلى جانب أسلحة سوفيتية بقروض ميسّرة ودعم مالي عربي.٣٦ وبعد الحرب، بلغ الدعم العربي ذروته؛ فتجاوز متوسطه خلال ١٩٧٥–١٩٧٧ ما يعادل ١٥٪ من الناتج المحلي المصري، بحسب دراسة جيل فيلر.٢٦ وفي ٥ يونيو ١٩٧٥، عادت الملاحة إلى قناة السويس، بعد ثماني سنوات كاملة من إغلاقها.٧

    ١٩٧٧–١٩٧٨

    مواجهتان قصيرتان من نوع آخر

    في يوليو ١٩٧٧، قاتلت مصر على حدودها الغربية، وهذه المرة ضد جارتها ليبيا. استمر القتال من ٢١ إلى ٢٤ يوليو؛ صدام قصير بين دولتين عربيتين، لا حملة لدعم طرف آخر. ويورد مصدر ثانوي حصيلة مصرية تقارب ١٠٠ بين قتيل وجريح، من دون تحديد عدد كل منهما، إلى جانب فقدان ما يصل إلى أربع طائرات.٣٧

    بعد سبعة أشهر، انتهت عملية مصرية في قبرص بمقتل ١٥ جنديًا وتدمير طائرتهم. بدأت الأحداث مساء ١٨ فبراير ١٩٧٨، حين اغتال مسلحان يوسف السباعي، رئيس تحرير الأهرام، في فندق بنيقوسيا، ثم احتجزا رهائن على متن طائرة في مطار لارنكا. أرسلت القاهرة قوة من الصاعقة على متن طائرة C-130، من دون موافقة قبرص. وهناك اشتبكت القوة مع الحرس الوطني القبرصي، وسقط الجنود المصريون ودُمّرت الطائرة. وأعقب المواجهة قطع مصر علاقاتها بقبرص.٣٨،٣٩،٤٠

    الخليج، ١٩٩٠–١٩٩١

    ثاني أكبر قوة في التحالف، ونصف مليون عائد

    حين اجتاح العراق الكويت في ٢ أغسطس ١٩٩٠ كان مئات الآلاف من المصريين يعملون في البلدين. خرج منهم من العراق ٣٥٠ ألفًا على الأقل حتى منتصف يناير، وعاد من الكويت نحو ١٣٥ ألف عامل.٢ قدّرت دراسة معاصرة في يناير ١٩٩١ أن مصر ستفقد ٢٫٤ مليار دولار من التحويلات في السنة، وقدّرت أخرى في يوليو الخسارة بأكثر من مليار.٤١،٢ بلغ صافي تحويلات العاملين المسجلة لمصر كلها ٤٢٨٤ مليون دولار في ١٩٩٠ و٤٠٥٤ مليونًا في ١٩٩١، بحسب بيانات صندوق النقد.٤٢

    في الوقت نفسه أرسلت مصر أكثر من ٣٥ ألف جندي ومئات الدبابات إلى السعودية، فكانت قواتها ثاني أكبر قوة في التحالف بعد الولايات المتحدة، وشاركت في مقدمة الهجوم البري في فبراير ١٩٩١.٣ قُتل ٩ جنود مصريين بحسب تجميع نُشر في مايو ١٩٩١.٢

    جنود مصريون يصلّون عند الساتر الرملي على الحدود في السعودية خلال حرب تحرير الكويت، ١٩٩١.
    جنود مصريون يصلّون عند الساتر الرملي على الحدود في السعودية خلال حرب تحرير الكويت، ١٩٩١.٦١

    ثم جاءت الديون. في ٥ نوفمبر ١٩٩٠ أقر الكونجرس إلغاء ٦٫٧ مليار دولار من الديون العسكرية المصرية للولايات المتحدة، مكافأة على التعاون في عملية "درع الصحراء" بتعبير تقرير لخدمة أبحاث الكونجرس.٤٣ وشطبت دول الخليج أكثر من ٧ مليارات دولار.٤٤ وفي ٢٥ مايو ١٩٩١ عالج نادي باريس ٢١١٦٤ مليون دولار من ديون مصر، باتفاق يخفض القيمة الحالية للديون المؤهلة بنسبة ٥٠٪ على ثلاث مراحل مشروطة ببرنامج مع صندوق النقد.٤٥،٤٦،٤٧ انخفض الدين الخارجي من نحو ٧٥٪ من الناتج في ١٩٩١/١٩٩٢ إلى ٤٧٪ في منتصف ١٩٩٦، في سنوات إصلاح اقتصادي واسع لا تُختزل في الحرب.٤٨

    الأرواح

    أين سقط معظم الجنود

    إذا وُضعت الملفات جنبًا إلى جنب، يظهر أن أكبر الأثمان البشرية دُفعت في اليمن وعلى القناة في ١٩٧٣. لكن الأرقام لا تقيس الشيء نفسه دائمًا، فلكل شريط في الرسم تعريفه.

    القتلى المصريون بحسب كل مصدر، بمقياس واحد

    كل صف رقم واحد بتعريفه ومصدره. الشريط الداكن تقدير، والفاتح مدى تقديرات منشورة، والمخطط مجاميع متداولة لا يُعرف سجلها. صفّان للملف نفسه لا يُقرآن كطرفي مدى.

    تقديرمدى منشورمجموع بلا سجل
    المقياس: عدد الأشخاص. المصادر: لكل صف مصدره في القراءة أعلاه وفي الجدول. لا مجموع لكل الحروب، لأن التعريفات لا تتطابق.
    الرسم في جدول

    المدنيون

    الثمن الذي دفعه المدنيون

    لم يكن المدنيون في الصفوف الأمامية لمعظم هذه الحروب، لكنهم دفعوا بطرق متباينة: قصف وصل إلى بورسعيد ثم إلى الدلتا، وبيوت تُركت سنوات على ضفة القناة، وأرزاق ضاعت في العراق والكويت. وأدارت مصر نحو عقدين قطاعًا لجأ إليه مئات الآلاف من الفلسطينيين.

    ما تقوله المصادر عن المدنيين

    كل بطاقة مكان وتاريخ ورقم بتعريفه. الأرقام لا تُجمع: بعضها قتلى، وبعضها سكان أُخلوا، وبعضها عمال عادوا.

    المصادر: تحت كل بطاقة.

    المال

    المال الذي خرج، والمال الذي لم يأتِ، والمال الذي جاء متأخرا

    حتى ١٩٦٧ كان المال يخرج من مصر نحو جبهاتها: ٣٠ مليون جنيه لفلسطين، وأكثر من ٦٠ مليون دولار سنويًّا فوق كلفة السلم في اليمن.١١،١٩ بعد ١٩٦٧ بدأ يأتي إليها من الخليج، ثم صار التخفيف على شكل ديون بعد ١٩٩٠. هذه أنواع مختلفة من المال، بعملات وسنوات مختلفة، ولا معنى لجمعها في رقم واحد.

    أربعة أنواع من المال على خط زمني واحد

    كل صف مبلغ كما ورد في مصدره، ولونه يدل على نوعه. طول الشريط يمثل المدة لا المبلغ.

    المصادر: مونييه (١٩٤٩)، مذكرة CIA (١٩٦٥)، تقدير CIA (١٩٨٤)، البنك الدولي عبر مراجعة التحقق، جيل فيلر، خدمة أبحاث الكونجرس، أسوشيتد برس (١٩٩٢)، نادي باريس. تنبيه: المبالغ اسمية ولم تُحوَّل إلى أسعار اليوم. "عالج" نادي باريس لا تعني "ألغى": الخفض كان نسبة من القيمة الحالية، على مراحل.
    الرسم في جدول

    ما بقي

    ثمن بأشكال كثيرة

    في ٥ يونيو ١٩٧٥ عادت السفن تعبر القناة، بعد ثماني سنوات من اليوم الذي أُغلقت فيه.٧ كانت مدن القناة قد بدأت تستعيد سكانها، وآخر القوات المصرية قد غادر اليمن قبل ذلك بسبع سنوات ونصف، والعون العربي قد صار جزءًا ثابتًا من مالية الدولة.

    بين ١٩٤٨ و١٩٩١، تعددت أدوار مصر: أرسلت جنودًا إلى فلسطين واليمن والكويت، وسلّحت الثورة الجزائرية من دون أن يقاتل جنودها فيها، وخاضت أربع حروب على أرضها. أما ما دفعه المصريون، فلا يختصره رقم واحد: آلاف الجنود فقدوا حياتهم في فلسطين واليمن وعلى القناة، وسكان غابوا عن مدنهم سنوات، وعمال عادوا من الخليج بلا عمل. وفي خزانة الدولة امتد الثمن: إنفاق عسكري، وانتظار للمساعدات، ثم تخفيف للديون بشروط.

    بعض هذه الأثمان معروف بدقة، كقائمة أسرى مؤرخة أو اتفاق ديون موقّع. وبعضها، كعدد من لم يعودوا من اليمن، لا يزال ينتظر أن تُفتح السجلات التي تحسمه.

    كيف نعرف: التحقق، والأرقام المختلف عليها، وجدول الأدلة

    كيف بُني هذا الملف

    بدأ الملف بمراجعتين تحققيتين مستقلتين لأرقام إصدار سابق منه، ثم أعدنا فتح الوثائق الأصلية المتاحة: دراسة مكتبة الكونجرس القُطرية عن مصر، وسجل نادي باريس، ووثائق وزارة الخارجية الأمريكية المنشورة (تقدير ١٩٦٣ ومذكرة ١٩٦٥)، وتقارير MERIP، وبيان صندوق النقد الدولي، وتقرير القائد البريطاني عن ١٩٥٦، وغيرها. حيث تختلف التقديرات الموثوقة على المقياس نفسه نعرض مداها، وحيث تقيس أشياء مختلفة نعرضها منفصلة ولا نحسب متوسطها. وحيث لا يسند الدليل رقمًا نكتب ما حدث بلا رقم.

    الأرقام المختلف عليها، وكيف عرضناها

    ما الذي ثبت لكل ملف

    صنّفنا كل ملف في عشر فئات من الكلفة. "محدد النطاق" يعني رقمًا في وثيقة يمكن فتحها بتعريف واضح؛ "متداول" يعني رقمًا منسوبًا أو خلافيًّا؛ "لم يثبت" لا يعني صفرًا. هذا التصنيف من عملنا.

    درجات الثقة

    أعطت المراجعتان كل ادعاء رقمي درجة تحريرية من ١٠٠. الدرجة تقيس السند خلف الرقم، لا وقوع الحدث، وليست احتمالًا إحصائيًّا.

    ما استبعدناه

    • ١١ مليار جنيه "خسائر" بين يونيو ١٩٦٧ وأكتوبر ١٩٧٣، منسوبة إلى عزيز صدقي في مقال لاحق: لم يُعثر على الحساب الأصلي.
    • "مليون دولار يوميًّا" في اليمن: بلا وثيقة أو مدة؛ استخدمنا بدلًا منه تقدير CIA المؤرخ.
    • نسب الإنفاق الدفاعي إلى الناتج في ١٩٦٠–١٩٧٣: من مقال رأي، بلا سلسلة متسقة.
    • قيمة طائرة لارنكا (٦ ملايين دولار): تقدير صحفي للطائرة، لا كلفة العملية.
    • أي مجموع نقدي أو بشري عابر للحروب.

    ما لم نعد فتحه بأنفسنا

    متوسطات إيصالات القناة (١٩٥٩–١٩٦٦ و١٩٦٧–١٩٧٢) من تقرير للبنك الدولي كما نقلته إحدى المراجعتين؛ وأرقام تحويلات العاملين لعامي ١٩٩٠ و١٩٩١ من بيانات صندوق النقد كما نقلتها المراجعة؛ وصفحة الخارجية الأمريكية لعام ١٩٩٧ عن مراحل خفض نادي باريس تعذّر فتحها، ويتفق وصفها مع ورقة البنك الدولي لعام ١٩٩٨. وكتاب فيلر استخدمناه عبر عرض نقدي منشور له.

    جدول الأدلة

    يضم الجدول كل فئة في كل ملف، وكل ادعاء مُنح درجة، مع المصادر وروابطها.

    ملاحظة المصادر

    اعتمدنا في هذا الملف أساسًا على وثائق مؤسسية وشهادات من زمن الأحداث: دراسة مكتبة الكونجرس عن مصر، ووثائق الاستخبارات الأمريكية المنشورة ضمن سلسلة "العلاقات الخارجية للولايات المتحدة"، وتقارير الصليب الأحمر عن الأسرى، وسجل نادي باريس، وتقرير القائد البريطاني لعمليات ١٩٥٦، وتقارير MERIP المنشورة خلال أزمة الخليج.
    واستعنا بدراسات فيريس وفيلر وروجان وأقليمندوس بحسب ما أتيح من نصوصها أو ملخصاتها، وأوضحنا المواضع التي اعتمدنا فيها على ملخص فقط. أما ويكيبيديا، فاستخدمناها حين جمعت مراجع تعذّر علينا الاطلاع عليها مباشرة، مع نسبة كل رقم إلى المصدر الذي تحيل إليه، من دون الادعاء بأننا قرأناه.
    ولم نطّلع على سجلات الأفراد في القوات المسلحة المصرية أو الحسابات الختامية لوزارة المالية، وهي سجلات قد تساعد في حسم أرقام ما زالت غير مؤكدة. وجميع المبالغ اسمية بعملتها وسنتها. وتلتزم سيا بتسمية دولة الاحتلال الاسرائيلي كما ترد في هذا الملف.